السيد محمد حسين فضل الله

22

من وحي القرآن

ما يعني أن اللَّه يعبر عن الحالة التي تسبق الحياة الدنيا ، بالموت ، مع ملاحظة أنّ القرآن لم يذكر شيئا واضحا عن حياة البرزخ وموته إلا في قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ الأمر الذي يجعل الذهن متطلعا إلى هذا العالم في حياته وموته من خلال الأسلوب القرآني . . وقد ذكر صاحب الكشاف الذي اختار الوجه الذي استقربناه ، تعليقا على ذلك : « فإن قلت : كيف صح أن يسمّي خلقهم أمواتا إماتة ؟ قلت : كما صح أن تقول : سبحان من صغّر جسم البعوضة وكبّر جسم الفيل ، وقولك للحفّار : ضيّق فم الركية ووسّع أسفلها ، وليس ثمّ نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر ، ولا من ضيق إلى سعة ، ولا من سعة إلى ضيق . وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات ، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد ، من غير ترجح لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه » « 1 » . أما ما ذكره صاحب الميزان شاهدا على تفسيره ، بأن المراد ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيمان بالمعاد ، وهو الإحياء بالبرزخ ثم في القيامة دون الحياة الدنيا التي لم تكن سببا في الإيمان بالمعاد لأنهم كانوا مرتابين ، وهم في داخلها ؛ فقد نلاحظ عليه ، أن هذا التحوّل من الحياة الدنيا إلى الآخرة ، بالموت ، ربما جعلهم يعيدون التفكير في أمر الحياة والموت بالطريقة التي تثبت قدرة اللَّه على إرجاع الإنسان إلى الحياة بعد الموت ، كما كان قادرا على إحيائه بعد الموت الذي كان غافلا عنه في الدنيا لاستغراقه في المألوف ، مما جعل الآيات تتكرر تذكيرا للإنسان بأن اللَّه الذي بدأ الخلق ، قادر على أن

--> ( 1 ) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 3 ، ص : 418 .